محمد متولي الشعراوي

793

تفسير الشعراوي

الصوم . ولكن كان لا بد من وضع آداب للسلوك داخل المسجد أو لآداب سنة الاعتكاف التي سنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في العشر الأواخر من رمضان . لهذا أوضح الحق أن حلال المباشرة بين الرجل وزوجته هو لغير المعتكف وفي غير ليل رمضان . أما المعتكف في المسجد فذلك الأمر لا يحل له ، ومعنى الاعتكاف هو أن تحصر حركتك في زمن ما على وجودك في مكان ما ، ولذلك يقولون : « فلان معتكف هذه الأيام » أي حبس حركته في زمن ما في مكان ما ، وليس معنى ذلك أن الاعتكاف مقصور على العشر الأواخر من رمضان فقط ، ولكن للمسلم أن يعتكف في بيت اللّه في أي وقت . واختلف العلماء في الاعتكاف ، بعضهم اشترط أن يكون المرء صائما حين يعتكف ، واشترطوا أيضا أن يكون الاعتكاف لمدة معينة ، وأن يكون بالمسجد ، وقالوا : إن أردت الاعتكاف ، فاحصر حركتك في مكان هو بيت اللّه . وكثير من العلماء يقولون : إنك إذا دخلت المسجد تأخذ ثواب الاعتكاف ما دمت قد نويت سنة الإعتكاف ؛ بشرط ألا تتكلم في أي أمر من أمور الدنيا ؛ لأنك جئت من حركتك المطلقة في الأرض إلى بيت اللّه في تلك اللحظة ، فاجعل لحظاتك للّه . ولذلك حينما رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجلا ينشد ضالّته في المسجد - أي شيئا قد ضاع منه - فقال له : « لا ردها اللّه عليك فإن المساجد لم تبن لهذا » « 1 » . لماذا ؟ لأن المسجد مكان للعبادة ، ولذلك أقول لمن يحدثني في المسجد بأي شئ يتعلق بحركة الحياة : « أبشر بأنها لن تنفع » ؛ لأنك دخلت المسجد للعبادة فقط ، إن لحظة دخولك المسجد هي لحظة جئت فيها لتقترب من ربك وتناجيه ، وتعيش في حضن عنايته ، فلماذا تأتى بالدنيا معك ؟ وليكن لنا في أحد الصحابة قدوة حسنة ؛ كان يقول : كنا نخلع أمر الدنيا مع نعالنا . وزاد صحابي آخر فقال له : وزد يا أخي أننا نترك أقدارنا مع نعالنا . انظر إلى الدقة ، إن الصحابي المتبع لا يخلع الدنيا مع نعله فقط على باب المسجد ، ولكن يخلع أيضا قدره في الدنيا . فيمكن أن تأخذك الدنيا ساعات اليوم

--> ( 1 ) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .